بين وهم الشح وحقيقة الوفرة، سوق القهوة يعيد كتابة قواعده
بعد فترة كان فيها الترقّب هو السلوك الغالب في السوق! بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل، ولم يعد الانتظار هو العنوان، بل ما ينتج عنه.

بعد موجة الصعود التي بدت وكأنها بلا سقف، يدخل سوق القهوة مرحلة مختلفة تمامًا؛ مرحلة لا تُقاس فيها الحركة بالاتجاه فقط، بل بعمق التحول في سلوك السوق نفسه.
لم يعد التراجع الأخير مجرد تصحيح سعري عابر، بل أقرب إلى إعادة ترتيب داخلي لمفاهيم كانت مستقرة لدى المتعاملين. فالسوق الذي اعتاد على نقص المعروض كحقيقة شبه ثابتة، بدأ الآن يتعامل مع فكرة الوفرة المحتملة كعامل لا يمكن تجاهله.
في الأسابيع الممتدة من فبراير إلى مطلع مارس، ظهرت ملامح هذا التحول بوضوح. الضغط البيعي في العقود الآجلة، خصوصًا في نيويورك، لم يكن مدفوعًا بعامل واحد، بل بتقاطع ثلاثة مسارات: تحسن الطقس في البرازيل، إعادة تموضع الصناديق الاستثمارية، وتغير المزاج العام نحو الحذر في الأسواق العالمية.
البرازيل، التي تبقى قلب المعادلة، لعبت دورًا محوريًا في هذا التحول. الأمطار المنتظمة، بل والتي تجاوزت معدلاتها التاريخية في بعض المناطق، لم تكن مجرد خبر زراعي جيد، بل رسالة ضمنية للسوق بأن الموسم القادم قد يحمل إنتاجًا أكثر راحة مما كان متوقعًا قبل أشهر. ومع كل يوم تستمر فيه هذه الظروف المناخية دون مفاجآت سلبية، تتعزز قناعة المتداولين بأن منحنى الأسعار الحالي قد لا يكون مستدامًا عند مستوياته السابقة.
لكن المفارقة اللافتة، أن السوق الفعلي لم يعكس هذا “الارتياح النظري” بشكل كامل. على العكس، ظل المعروض الفوري محدودًا، واستمرت الفروقات السعرية في التماسك "بل والارتفاع في بعض الحالات" وكأن السوقين، الآجل والفعلي، يسيران في اتجاهين مختلفين مؤقتًا. هذا التباين ليس جديدًا، لكنه في هذه المرحلة أكثر حدة، ويعكس فجوة بين ما هو متاح اليوم، وما يُتوقع غدًا.
في جانب الطلب، لم نشهد انسحابًا حادًا بقدر ما رأينا ترددًا محسوبًا. المشترون عادوا جزئيًا مع تراجع الأسعار، لكنهم لم يندفعوا، بل تعاملوا مع السوق بنَفَس انتقائي، يراقب الفروقات أكثر من السعر المطلق. وفي المقابل، ظل المنتجون أقل رغبة في البيع، محتفظين بجزء معتبر من المحصول، في إشارة إلى أن الثقة في الأسعار لم تتآكل بالكامل، بل دخلت مرحلة اختبار.
الأرقام تعكس هذا السلوك بوضوح: وتيرة البيع للمحصول الحالي أبطأ من المعتاد، والصادرات البرازيلية سجلت تراجعًا ملحوظًا، ما يعزز فكرة أن “الوفرة” ما زالت حتى الآن على الورق أكثر منها في الموانئ.
أما على مستوى الصورة الأكبر، فإن التوقعات بإنتاج عالمي قد يصل إلى مستويات قياسية في موسم 2026/2027 تضيف طبقة جديدة من الضغط النفسي على السوق. هذه التوقعات لا تضغط الأسعار مباشرة بقدر ما تعيد تشكيل التوقعات، وهو ما يكفي أحيانًا لتغيير الاتجاه.
ولا يمكن تجاهل العامل الخارجي. البيئة الاقتصادية العالمية تميل إلى الحذر، مع تراجع المخاطرة، وتحركات في العملات، وتوترات جيوسياسية تضيف ضبابية على المشهد. القهوة هنا لا تتحرك بمعزل، بل كجزء من منظومة أوسع تتأثر بالدولار، والطاقة، وتدفقات رأس المال.
كل ذلك يضع السوق في حالة يمكن وصفها بـ"الانتقال غير المكتمل".
ليس هبوطًا صريحًا مدفوعًا بفائض فعلي، ولا صعودًا مدعومًا بندرة مؤكدة، بل مساحة بينهما، تتشكل فيها الأسعار على وقع التوقعات أكثر من الحقائق.
في مثل هذه المراحل، لا تكون القراءة في الاتجاه، بل في التوازنات:
بين محصول لم يُحصد بعد، ومخزون لم يُطرح بعد، وطلب لم يحسم قراره بعد.
السؤال الحقيقي الآن ليس: إلى أين يتجه السوق؟
بل: أيّ الروايتين ستثبت نفسها أولًا؛ رواية الشح، أم رواية الوفرة؟


