حين يصبح الترقّب سلوكًا عامًا
سوق القهوة هذه الفترة يبدو هادئًا على السطح، بلا ضجيج عناوين ولا قفزات مفاجئة، لكن من يقترب قليلًا من التفاصيل يكتشف أن هذا الهدوء ليس فراغًا، بل حالة ترقّب واعية تتشكل فيها القرارات ببطء، ويعاد فيها صياغة العلاقة بين العرض والطلب.
الحركة في السوق، محليًا ودوليًا، تميل إلى الانتقائية أكثر من كونها نشطة. الصفقات لا تُبرم بكثرة، ليس لغياب الاهتمام، بل لأن الأطراف المختلفة تنظر إلى السوق بزوايا زمنية متباينة. هناك من يفضل ترتيب التزاماته القريبة وتخفيفها، وهناك من يوجه اهتمامه إلى فترات أبعد، بحثًا عن وضوح أكبر واستقرار نسبي في الرؤية.
في السوق الدولية، لوحظ نشاط انتقائي من بعض البائعين الراغبين في تقليص أو إغلاق مراكزهم، في حين ظل المشترون يراقبون الأسواق بتمعن، وتركز اهتمامهم على الشهور اللاحقة، حيث يعتقد كثيرون أن الصورة ستكون أوضح، حتى وإن بقيت الفروقات السعرية عاملًا مقيدًا للحركة. نتيجة لذلك، تركزت الصفقات القليلة المنفذة فعليًا على احتياجات قصيرة المدى، بينما بقي النشاط على المدى الأبعد محدودًا للغاية.
في السوق المحلي بالبرازيل، جاء رد فعل المشترين أكثر حدة مما تبرره حركة الأسعار العالمية، حيث تم تعديل قواعد الشراء المحلية بما يتوافق مع احتياجاتهم وتوقعاتهم. هذا الاختلال بين التوقعات وأسعار السوق أدى إلى تقلص السيولة، وصعوبة كبيرة في مواءمة توقعات البائعين والمشترين، ما انعكس في قلة الصفقات وركود ملحوظ.
من الناحية المناخية، شهدت مناطق الإنتاج البرازيلية فترات من هطول الأمطار، بعضها غزير، مع توقعات إيجابية للأيام القادمة، ما أعطى السوق قدرًا من الطمأنينة بالنسبة للموسم القادم، رغم أن الكميات المتراكمة لا تزال أقل من المتوسط التاريخي في كثير من المناطق. ومع اقتراب موسم الحصاد الجديد، بدأت توقعات المعروض المستقبلي تمنح السوق قدرًا من الاطمئنان، دون أن تشير إلى فائض حقيقي حاضر على الأرض.
في الخلفية، لعبت العوامل الجيوسياسية والاقتصادية دورًا في زيادة حذر المستثمرين، حيث دفعت التوترات في بعض الأسواق العالمية إلى مراعاة المخاطر، وإعادة ترتيب الأولويات، وتحويل جزء من رؤوس الأموال نحو ملاذات أكثر أمانًا. في مشهد القهوة العالمي، ظهر تباين واضح بين وفرة بعض الأصناف وتقلص أخرى، ما خلق حالة توازن غير معلن: لا اندفاع شرائي واسع، ولا ضغط بيعي حقيقي، بل مراقبة متبادلة بين الأطراف.
مع مرور الأيام، بدأ يظهر اهتمام انتقائي من بعض المستوردين، لتغطية احتياجات قصيرة الأجل وتقليل المخاطر، ما أعاد بعض الحركة المحدودة وسمح بإتمام صفقات محدودة، أعادت بدورها قدرًا من التوازن النفسي للأسعار. هذا الاهتمام تركز على أصناف معينة من القهوة مع شحنات تبدأ من منتصف الموسم فصاعدًا، إلا أن أحجام التداول بقيت محدودة بفعل مستويات الأسعار الحالية وضعف السيولة عند المصدر.
في الوقت ذاته، ازدادت التوقعات لموسم إنتاج قوي في العام المقبل، فبدأت القرارات التجارية تُبنى على ما هو قادم، لا على اللحظة فقط. ومع ذلك، ظل السوق في حالة ترقّب، يراقب التفاصيل الصغيرة بقدر ما يراقب العناوين الكبرى، منتظرًا محفّزًا حقيقيًا يعيد تشكيل تدفق التداول.
ما يبدو على السطح كسوق راكد، هو في حقيقته حالة توازن هش بين قوى متعددة: فروقات السعر، السيولة المحدودة، التسعير المحلي، توقعات المحصول، والسياق العالمي الحذر. هذا المشهد يفسر كثيرًا من تفاصيل السوق اليومية: لماذا تتأخر بعض العروض، لماذا تتغير الشروط، ولماذا يبدو السوق أحيانًا مترددًا. قراءة هذا الهدوء بعناية تساعد على فهم ما يجري حول السوق، حيث لا يبدو في حالة اندفاع ولا تراجع حاد، بل في مرحلة إعادة تموضع هادئة.



